محمد بن جرير الطبري
343
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن حاجة المتصدق ، فالفضل من ذلك هو " العفو " من مال الرجل ، ( 1 ) إذْ كان " العفو " ، في كلام العرب ، في المال وفي كل شيء : هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه : " حتى عَفَوْا " بمعنى : زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا ، ( 2 ) ومنه قول الشاعر : ( 3 ) وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منا . . . بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ ( 4 ) يعني به : كثيرات الشحوم . ومن ذلك قيل للرجل : " خذ ما عفا لك من فلان " ، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده = ( 5 ) كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله : " قل العفو " لعباده من النفقة ، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه ، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " ، وأذِنهم به . * * * فإن قال لنا قائل : وما تنكر أن يكون ذلك " العفو " هو الصدقة المفروضة ؟ ( 6 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " الفضل من ذلك . . . " بحذف الفاء ، والفاء لا بد منها ليستقيم الكلام . ( 2 ) انظر ما قاله في معنى " عفا " فيما سلف : 3 : 370 . ( 3 ) هو لبيد بن ربيعة . ( 4 ) ديوانه قصيدة 2 : 19 ، ثم يأتي في التفسير 9 : 6 ( بولاق ) ، وفي المطبوعة هنا " يعض السيف منا " وهو خطأ ، والصواب ما في الموضع الآخر والديوان . وهذا البيت من أبيات يفخر فيها بإكرامهم الضيف ، ولا سيما في الشتاء ، يقول إذا جاء الشتاء ببرده وقحطه : فَلاَ نَتَجَاوَزُ العَطِلاتِ مِنْها . . . إلى البَكْرِ المُقَارِبِ والكَزُوم ولكنّا نُعِضّ السَّيْف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والضمير في " منها " للإبل . يقول : لا نتجاوز عند الذبح فندع النوق الطوال الأعناق السمينات ، إلى بكر دنيء أو بكر هرم ، ولكننا نعض السيف ، أي نضرب بالسيف حتى يعض في اللحم - بعراقيب السمينات العظام الأسنمة ، وهي الكوم ، جمع كوماء . ( 5 ) قوله : " كان بينا . . . " جواب قوله : " فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم . . . " كان بينا . . . " ، وأذن هنا بمعنى : أعلم وأخبر . ( 6 ) " الصدقة المفروضة " يعني : الزكاة المفروضة .